من التفاوض العشوائي… إلى التفاوض الاستراتيجي
درس مهني لم أتعلمه في الجامعة
في أحد الأيام، قرأت سؤالًا في مجموعة طبية عن تقليل ساعات العمل.
سؤال بسيط، لكنه أعادني سنوات إلى الوراء، إلى بداياتي المهنية في ألمانيا، حين كنت أعتقد أن العمل الجاد وحده يكفي، وأن الساعات الطويلة ستُكافأ تلقائيًا بدخل أفضل.
لكن الواقع علّمني شيئًا مختلفًا تمامًا.
كنت أعمل كثيرًا.
إرهاق مستمر، مسؤوليات تتزايد،
ودخل لا يعكس لا الجهد ولا الضغط.
المحاولة الأولى: تفاوض بلا أدوات
أول محاولة تفاوض لزيادة الراتب كانت صادقة… لكنها ساذجة.
ذهبت إلى مدير العيادة وقلت شيئًا قريبًا من:
“صديقي يتقاضى كذا وكذا، وأنا أعمل نفس العمل.”
كان الرد مباشرًا وواضحًا:
أنت في فترة Vorbereitungzeit.
في تلك المرحلة:
- لم تكن لدي مهارات تفاوض
- ولا خبرة مهنية طويلة
- ولا فهم حقيقي لقيمتي السوقية
قبلت القليل، وتنازلت عن حقي، ليس اقتناعًا… بل لأنني لم أكن أملك بديلًا.
المحاولة الثانية: قرار لم يكن سهلًا
بعد فترة، حاولت التفاوض مرة أخرى.
لكن – مرة أخرى – من دون استراتيجية واضحة.
النتيجة كانت قاسية:
فسخ العقد والخروج من العيادة.
انتقلت إلى عيادة أخرى بدخل أعلى بحوالي 10%.
ظننت أن المشكلة انتهت.
لكن الواقع كان مختلفًا:
- ضغط أكبر
- مسؤوليات أكثر
- وساعات عمل – رغم أنها أقل قليلًا – لم تعوّض الفارق الحقيقي
حاولت التفاوض مرة أخرى…
ولم ينجح الأمر.
هذه المرة، تدهورت العلاقة مع مديرة العيادة،
وانتهى العقد، وانتقلت من جديد.
التوقف أحيانًا… قوة وليس ضعفًا
في تلك اللحظة، قررت التوقف.
ليس هروبًا، بل قرارًا استراتيجيًا.
قلت لنفسي:
أنا لا أحتاج زيادة الآن…
أنا أحتاج وقتًا.
الاستثمار في النفس قبل التفاوض
استثمرت وقتي وجهدي في:
- تطوير مهاراتي الطبية
- حضور دورات مدفوعة (بعضها على حساب العيادة، وبعضها على حسابي)
- قراءة كتب خارج المجال الطبي غيّرت طريقة تفكيري في:
- القيمة
- الإنتاجية
- التفاوض
بدأ الـ Lebenslauf يكبر.
ليس على الورق فقط… بل في القيمة الحقيقية.
📘 في هذه المرحلة، وثّقت جزءًا كبيرًا من التجربة في كتابي:
👉 Fachsprachprüfung Zahnmedizin – Erfolg zeige ich dir
🎧 كما ناقشت هذه المواضيع بتفصيل أعمق في البودكاست:
👉 الاستماع إلى البودكاست على Spotify
اللحظة الحاسمة: تفاوض بعقلية مختلفة
عندما شعرت أنني جاهز، تغيّر أسلوبي بالكامل.
من البداية، اشترطت:
- طباعة كامل الـ Umsatz
- معرفة المبلغ الذي أُحصّله فعليًا
- معرفة نسبتي الحقيقية من هذا المبلغ
تابعت الأرقام سنة كاملة، بهدوء، ومن دون أي تصعيد.
خلال هذه الفترة:
- طوّرت نفسي أكثر
- حضرت أكبر عدد ممكن من الدورات
- وبدأت أبحث عن فرص عمل أخرى فعلًا
نعم…
قدّمت طلبات عمل،
وتفاوضت مع عيادات أخرى،
فقط لأعرف قيمتي السوقية الحقيقية.
سألت زملاء يعملون في نفس المدينة وبخبرة قريبة من خبرتي.
قارنت:
- عدد الساعات الأسبوعية
- أيام العطلة السنوية
- متوسط الدخل
زرت مواقع مثل Gehalt.de.
جمعت الأرقام… وقارنتها بوضعي.
المسودة التي غيّرت النتيجة
بعد ذلك، كتبت مسودة واحدة تضمنت:
- خبرتي العملية
- مهاراتي الطبية
- مهارات التواصل
- قدرتي على تحفيز الفريق والعمل تحت الضغط
ولم أتجاهل نقاط ضعفي.
ذكرتها بوضوح،
وأشرت إلى رغبتي في تطويرها بمساعدة مديرة العيادة نفسها.
بهذا الأسلوب:
- أظهرت احترامي لخبرتها
- وبنيت ثقة غير مباشرة
- وأوصلت رسالة واضحة: أنا أتعلم… وأقدّرك.
سلّمتها المسودة مكتوبة،
ومرفقة بكل المعايير الموضوعية التي اعتمدت عليها،
وقلت ببساطة:
“أرجو أن تقرئيها، وأنتظر ردك خلال أسبوع.”
النتيجة
بعد أسبوع…
كان الرد إيجابيًا.
وتمت زيادة الدخل.
وماذا لو فشلت المحاولة؟
سؤال يطرحه كثير من الزملاء.
الجواب بسيط:
كان لدي مقابلة عمل أخرى جاهزة كخطة احتياط.
وهنا الفرق الحقيقي بين:
- تفاوض من موقع ضعف
- وتفاوض من موقع قوة
الخلاصة
الراتب لا يُطلب.
الراتب يُبنى.
يُبنى:
- بالمهارة
- بالوقت
- وبالقدرة على قول «لا» حين يجب
تعليقات
إرسال تعليق