حين لا يكون الفشل نهاية الطريق
في سنة 2019، ذهبتُ إلى مدينة كولن لإجراء مقابلة عمل في واحدة من سلاسل العيادات الكبيرة في ألمانيا.
قبل المقابلة، أصرّ مالك العيادة أن يستقبلني زميلان عربيان، بحجة أن ذلك سيكون أريح لي: اصطحاب من محطة القطار، شرح نظام العمل، ومحاولة إقناعي بقبول عرض العمل.
منذ اللحظة الأولى، لم أشعر بالارتياح.
لا لفلسفة العيادة، ولا لطريقة العمل.
لكن ما لفت انتباهي حقًا لم يكن العيادة، بل أحد الزملاء الذين استقبلوني.
كان طبيب أسنان سوريًا، وقد استنفد محاولتين في امتحان Kenntnisprüfung.
وبحسب القانون، لم يعد مسموحًا له بالعمل كطبيب أسنان.
ورغم ذلك، أصرّ مدير الـMVZ على بقائه ضمن الفريق، ليس كطبيب، بل في الإدارة:
متابعة شؤون الأطباء، الحسابات المالية، والإجراءات التنظيمية اليومية.
أذكره جيدًا، لأنه في تلك المقابلة كان محبطًا ومكسور الخاطر.
كان يتحدث عن فشله بألم حقيقي.
لم أبقَ طويلًا في تلك العيادة.
بعد حوالي ثلاثة أشهر، انتقلتُ إلى مدينة أخرى ووجدت فرصة عمل جديدة.
بعد سنتين أو ثلاث، قرأت له منشورًا على فيسبوك.
كان يحكي عن نجاحه في المحاولة الأخيرة من الامتحان.
عن دخوله بثقة، عن لغته التي تطورت، وعن هدوئه أمام الممتحنين.
قال شيئًا لم أنسَه:
إن العمل في الإدارة لم يطوّر لغته فقط، بل فتح له بابًا جديدًا بالكامل:
فهم إدارة العيادات الخاصة وشؤونها المالية.
بل وأكثر من ذلك، كتب أنه لم يعد يرغب بالعمل كطبيب أسنان.
كان الامتحان بالنسبة له تحديًا شخصيًا فقط،
ليُثبت لنفسه قبل غيره أنه قادر.
من وجهة نظري، هذا الطبيب بطل حقيقي.
ليس لأنه نجح في الامتحان،
بل لأنه لم يسمح للفشل أن يحدّد هويته.
أحيانًا، لا تقودنا الحياة في الطريق الذي نريده،
بل في الطريق الذي نحتاجه.
ولذلك، إذا لم تجتز امتحان Kenntnisprüfung من المرة الأولى –
وهذا أمر أصبح طبيعيًا في ألمانيا –
فربما هذه ليست نهايتك، بل فرصتك.
فرصة لتتعلم أكثر،
لتقوّي لغتك،
لتطوّر مهاراتك في التواصل،
ولتعمل في شيء يضيف لك قيمة حقيقية ودخلًا ثابتًا.
وعندما تشعر أنك جاهز…
قدّم على الامتحان وتوكّل.
حينها فقط، ستكون قد فعلت كل ما يلزم للوصول إلى هدفك
تعليقات
إرسال تعليق